نورة بنت السبع سنوات التي ترقد في مسشفى الشفاء لدخولها في غيبوبة ، كانت كعادتها تترقب في مساء كل خميس صويحباتها سارة وفاطمة ليلهون ويلعبون في حديقة منزلها.. لكنهما تأخرتا كثيرا في ذلك المساء ولم تجيبان على مهاتفاتها المستمرة .. جلست والضيق يلفها على مقعد الحديقة الخشبي المتهالك بجوار دميتها وقصاصات رسوماتها التي تهوى قضاء فراغها ترسم وجوه وفساتين الطفولة. إنها لا تلبث أن تستقر مشتتة نظراتها القلقة بين بوابة البيت وعقارب ساعتها الطفولية الصغيرة.. حتى تنهض تقطع تلك المسافة جيئة وذهابا وهي تحتضن تلك الدمية المفضلة التي لو قدر لها أن تنطق لقالت أختاه أحبك وأفديك بروحي فإني أنتمي لهذا الوطن وأحبه لما وجدته في حضنك الدافيء دفء هذا الوطن وقلبك الطاهر نقاء جذور هذا الوطن..
لقد اعتادت نورة وصويحباتها أن يلعبن على نباح بنادق المحتلين الصهاينة ومدافعهم الحاقدة ومداهماتهم الوقحة ، حتى أثَّرت تلك الأصوات في براءة الطفولة ولوثت الذائقة السمعية لديهن فباتت أصواتاً مألوفة يتناسينها وينشغلن عنها بألعابهن المصنوعة بأيدي الأمهات من فاضل قماش ملابسهن .
مضت الدقائق ثقالا على قلب نورة وكأنها أوزان مضاعفة من حقيبتها المدرسية التي تلوي ظهرها جيئة وذهابا. مضى ما يربو على ساعة من الإنتظار المقيت أحالت حلم وصول حبات قلبها إلى بخار وقلق زاد منه تزايد زخات الإطلاقات والإنفجارات وجلبة الطائرات العمودية التي تصم الآذان وتصاعد أعمدة دخان أسود وأبيض من جهات متفرقة.
تسرب الخوف إلى قلبها الرقيق ، فالسماء تبدو غاضبة ولونها صار مكفهرا.. والهواء بدا مخنوقا فاسد الرائحة.. صارت تكح وعيناها لا تمسكان بدموعها التي أخذت تتسرب عنوة. ليست إلا لحظات حتى حلقت فوق رأسها مروحية سوداء اللون شرسة كأنها طير كاسر يهم باختطاف زهرتها المتفتحة. أفاقت نورة فزعة على نداء والدتها يتدفق في جميع أرجاء البيت بلا توقف بحثا عن نورة.... فرت بلا عقل تاركة دميتها العزيزة على المقعد الخشبي لتلتجي إلى أحضان أمها التي سحبتها سحبا إلى داخل تلك الصالة الصغيرة لتجدها تغص بوجوه أهلها ووجوه لم ترهم من قبل إنما تشترك جميعها في حالة الذهول والهلع والحيرة التي تلفها وأعينهم الزائغة تراقب محطة التلفزيون تبث نشيدا وطنيا حماسيا وصورا لدمار وقتلى وجرحى وكلام يتكرر منذرا بعدوان صهيوني شامل .. وبينا هم كذلك وإذا بنورة تشهق شهقة عظيمة وتنكفيء في حضن والدتها مغشيا عليها لحظة إذاعة خبر سقوط طفلتين وظهور فاطمة وسارة وقد تحولتا إلى أشلاء على طريقهما إلى منزل نورة ودميتاهما ملطختان بدمائهما البريئة.
14/1/2009
علي الفردان